الطبراني
143
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قال علماؤنا فيمن قال : أيّ عبيدي بشّرني بقدوم فلان فهو حرّ ، فبشّره جماعة من عبيده واحد بعد واحد ؛ أنّ الأوّل يعتق دون غيره ؛ لأن البشارة حصلت بخبره خاصّة ؛ بخلاف ما إذا قال : أيّ عبيدي أخبرني بقدوم فلان ، فأخبره واحد بعد واحد فإنّهم يعتقون جميعا « 1 » . قوله تعالى : * إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ، هذا مثل آخر للمنافقين ؛ وسببه لمّا ذكر اللّه في المنافقين المثلين المتقدّمين قالوا : إنّ اللّه تعالى أجل وأعلى من أن يضرب هذه الأمثال ؛ فأنزل اللّه هذه الآية لأن البعوضة تحيى ما دامت جائعة فإذا شبعت هلكت ؛ فكذلك المنافقون يحيون ما افتقروا وإذا شبعوا بطروا وهلكوا . فكأنّه قال تعالى : كيف أستحي من ضرب المثل في المنافقين وأنا أضربه بالبعوض الذي هو مثلهم . وقيل : إنّ المشركين لمّا نزل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً « 2 » وقوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ « 3 » قالوا : إن اللّه تعالى يضرب المثل بالذّباب والعنكبوت ؛ فأنزل اللّه هذه الآية كأنه قال : لا أستحي بضرب المثل بالبعوض والعنكبوت مع صغرهما فإنّهما يعجزان آلهتهم . ومعنى الآية : أنّ اللّه لا يمنعه الحياء أن يضرب الحقّ شبها ما بعوضة فما أكبر منها مثل الذّباب وغيره . وقيل : فما فوقها في الصّغر . قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ؛ أي فيعلمون أنّ المثل حقّ من ربهم ؛ وأما الكافرون فيقولون : أيّ شيء أراد اللّه بذكر البعوض والذباب مثلا .
--> ( 1 ) لأن البشارة الخبر الذي يظهر السّرور ، وعتق المبشّر أن خبره أفاد ذلك ، ولو قال مكان بشّرني : أخبرني ، عتقوا جميعا ؛ لأنّهم جميعا أخبروه . ( 2 ) الحج : 73 . ( 3 ) العنكبوت : 41 .